السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته ..
..
.
كنتُ أودُّ أن أقول لكم شيئاً كـ " سلاماً جميلاً " أو " أسعدَ اللهُ أوقاتكم " , لكنّي لم أجرؤ – كعادتي – على ذلك ..
رُبّما لأنّي أعلم أنّها كذبة يا أصدقاء كون " السعادة والجمال " مُسمّيات مجازيّة في حياتنا فعلاً ..
نعلم جميعاً أن لا شيء جميل البتّة , حيث أنّ أيّامنا وأوقاتنا تشبهُ أشياءً أخرى لا علاقة لها بالجمال والسعادة ..
لذا قرّرتُ أن أكون – لو لمرّةٍ – صادقاً كابنِ أختي الصغير ذو الـ 5 سنوات الذي يملك منَ الجرأة – كما كلّ الصغار– ما يجعله يواجه تأجيل أباه لطلباته و تهرّبه من الكثير منها بقوله : بابا أنت تكذب علي ..!
رغمَ نهر أمّه لهُ و وصفها بأنّه وقح و قليل أدب إلّا أنّه – ابنُ أختي طبعاً – صادق ..
فـ أباهُ هو من أوصل الأمور إلى هذا الشكل ..
ماذا لو اتبع طريقة أخرى أو أسلوباً آخر بدلاً منَ التهرّب بشكل يجعل الصغير يفقد ثقته به هكذا ..!
أبوهُ لا يُبالي كثيراً – كالكثيرِ من الآباء – رُبّما لأنّهُم يعلمون أنّ صغارهم سيكبرون و سيتخلّون عن جرأتهم تلك شيئاً فشيئاً ..
ممّا سيجهزهم للممارسة نفس اللعبة مع أبنائهم هذا إن قُدّرَ لهم و استطاعوا الزواج مستقبلاً ..
فيتجاهله بحسرة غير ظاهرة ويعود لمُشاهدة برنامج من سيربح المليون بشغف ..
لا أدري إن كان يُريدُ ذلكَ المليون ليسترجع ثقة ابنهِ الصغير بهِ ..
أو رُبّما ككل العرب - ومنهم أنا طبعاً - نريد أن نربحَ المليون للهروب من شيءٍ ما ..!
أم لمقايضة جوعنا القاسي , أم لسترِ تشردنا الطويل أم .. أم .. أم ..
نعم هكذا نحن , لا نختلف كثيراً عن بعضنا البعض ..
منذُ زمن ونحن نكتمُ أحزاناً و نُداري أوجاعاً و نَعِدُها بغدٍ جميل ..
فيأتي الغد فعلاً لكن بلا ذلك الجميل الأحمق الذي يزوغُ من بين أمانينا ..
وكذلك كان يفعل آباؤنا وأجدادنا , وحتّى الآن ذلك الشيء الجميل الموعود/الموهم لم يأتِ ..!
كلّما تقدّمنا في الحياة دخلنا في جوّ اللعبة و أتقناها أكثر ..
نمتلك خبرة في فرز و تصنيف من نوع ما للأشياء بين السلب والإيجاب وبالتالي تختلف خطوتنا اللاحقة في التعامل معها ..
وغالباً الأشياء المهمّة هيَ التي نسعى لإسكاتها وتخديرها بداخلنا و نتهرّب من مواجهتها على الرغم من أنّنا نعلم ..!
فمثلاً لا ننسى أن نقوم بعمل تحديث لبرنامج مضاد الفيروسات تحسّباً لهجومٍ مُحتمل من عدد هائل منَ البرامج الضارة وملفات التجسس التي قد تجتاحنا ..
كذلك التجهيزات التي تقوم بها الجهة الراعية لحفل ستقيمهُ " إليسا أو هيفا " في مسرح الهواء الطلق ..
أو استقبال حاشد لمُنتخب أو نادي كرة قدم ..!
تلكَ أشياء نستطيع التحوّط لها قبلَ أن تحدث ..
على عكس الأشياء المهمّة الأخرى التي نعلم بحدوثها أو توقع حدوثها ولكنّنا لا نأخذ الاحتياطات اللازمة ..
بل نبحث لها بينَ الأخبار العاجلة والشعارات الكاذبة وحتّى بين الإشاعات عمّا يُسكتُ طنينها المُزعج ..
ونتجاهل حاجتنا لبتر هذا الوجع المزمن من الأساس ونتجاهل التاريخ أيضاً ..
ولا أدري لعلّ فيهِ -التاريخ - من الخزي ما يجعلنا كذلك ..
وما يجعل الآخرين كالمفكر الفرنسي جان بيرك بالتعليق علينا ساخراً : " يبدو أنّ ذاكرة العرب كقطعة الجبن الفرنسية المليئة بالثقوب " ..!
منذُ ستين عاماً ونيّف نتكلّم عنِ الغضبِ الساطع الآتي كالغدِ الجميل الذي نقتاته كالصبر ..
ضاعت فلسطين و نُهبَ العراق و في كلّ مرةٍ يتمزّق لبنان والسودان و.. و.. ولم يتجاوز ذلك الغضب حنجرة فيروز ..!
ومن جديد كـ خبر قديم عاجل نعلم أنّ اليهود يعدّون العدّة لهدمِ المسجد الأقصى لا بل وحدّدوا يوم 16 آذار لفعل ذلك , وما الجديد ..!؟
لا شيء أبداً , نحنُ نعلم بذلك الأمر منذ القدم ..
ولكن هذهِ المرّة وكخطوة احترازية قدّمنا ( صك ) الموافقة على شكل ما نسميه مُبادرة للسلام ( كالغدِ الجميل ) ..
وما يسميه اليهود تغطية جديدة ونعلم أنّه إبرة مخدّرة لما سيأتي لاحقاً ..
ونعلم أن لا سلام ولا غد جميل ولا غضب ساطع ولا حتّى هُناكَ أحد سيربح المليون ..
و رغم ذلك فإنّنا نُسوّق هذهِ التصريحات المسيلة للكرامة بين هنا وهناك كمسكّنات للأوجاع ..!
وكعادتنا - كشعب عربي له باع طويل في الانتكاسات والخذلان - مُستعدّون تماماً لمواجهة ذلكَ الإحراج ..
فلدينا إحتياطاتنا الموسميّة الجاهزة والمُتحفّزة دائماً ..
دموع , صراخ , غضب أخرق , مظاهرات , تصريحات , ندوات وأشياء الأخرى المُتأخرة كعادتها ..
وربّما ستفتتح أيضاً قنواتٌ أكثر تناسب هذهِ المرحلة الحرجة مُتخصّصة بالنواح والابتهال ..
وسنتمنّى ونرجو الله أن يُكرّر تسونامي آخر أو 11 سبتمبر آخر يُشفي غليلنا على مبدأ " وحدة بوحدة " ..
ثُمّ ماذا .!؟ .. سنعود لممارسة حياتنا بعدَ أن قمنا بالواجب على أكمل وجه ..!
ليسَ ذلكَ فقط وإنّما سنُراوغُ صغارنا ونشاهد جورج قرداحي وهو يرهق متسابقيه كلّ ثلاثاء ..!؟
أعمارٌ مضت وأجيالٌ انقضت ولازالت ذات الحروف والكلمات والوعود ..
ذات التوقعات والقراءات والتحليلات والقنوات والأخبار ..
ترسم لنا الغضب الساطع و الأمل الورديّ الجميل ونحن لازلنا ننتظر بسوادنا القاتم ..
ولا زالت ردّة فعلنا تتناسب ومرحلة ما بعدَ الحدث فقط ..!
هل سنبقى نُمثل دور آخرَ منْ يعلم ونرضى بكومةٍ منَ المبررات التي نعلم أنّها فقاعات ومسكّنات فقط ..!؟
أم أنّنا نمتلك - لو لمرّةٍ واحدة - جرأة الصغار ونمنع الآخرين من ممارسة هواياتهم التي أرهقتنا ولازالت منذ قرون ..!؟
..
.
06.03.2010